الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني

463

هداية المسترشدين ( طبع قديم )

الممتزج بالحرام على إخراج الخمس فيحمل المطلق على المقيد كما هو مقتضى القاعدة وعلى الرابع أنه لا دلالة في شيء منها على المدعى أيضا يد المسلم لصحة التصرف إلا إذا علم فساده بخصوصه وقد عرفت الحال فيه وعلى الخامس أن الحكم بحلية الحلال المختلط بالحرام من جهة إخراج الخمس لا ربط له بالمحصور كيف ولو كان كذلك لما كان خصوصية للخمس بل كان أفراد القدر المذكور قوله يعلم كونه حراما قاضيا بحل الباقي والحاصل أن تزكية المال المفروض بإخراج الخمس منه من جملة الأحكام الشرعية المخالفة للأصل الثابتة لقيام الدليل عليه ولذا يقول به القائل به بالأصل المدعى وغيره ولا مدخلية له في المقام بل ولا بالأصل المذكور بوجه من الوجوه فظهر بما قررناه ضعف القول المذكور لانحصار مداركه حسبما عرفت في المذكور وبظهوره هاهنا يظهر وهن القول حجة القول أن الشبهة إما بالنسبة إلى جواز التصرف ما لم يحصل العلم بارتكاب الحرام في الوجوه المتقدمة وإما بالنسبة إلى المنع من الإقدام بما يحصل معه العلم باستعمال المحرم كما يحرم ارتكاب المحرم واقعي كذا يحرم تحصيل اليقين بارتكاب الحرام وهو حاصل بارتكاب الفرد الآخر الذي يوجب العلم بارتكاب الحرام الواقعي فارتكاب الفرد الآخر مقدمة لتحصيل اليقين بارتكاب الحرام ومقدمة المحرم محرم فيكون ارتكاب الفرد الآخر محرما من هذه الجهة لا من جهة كونه حراما بحسب الواقع ضرورة كون نسبة التحريم إليها على وجه سواء فلا معنى للترجيح حتى يقال بإباحة أحدهما وحرمة الآخر أورد عليه تارة بمنع كون مقدمة الحرام حراما ويمكن دفعه بأن مقدمة الحرام إن كان شرطا للحرام وما بمعناه بل من الظاهر عدم تحريمه نعم إن قصد به فعل المحرم كان محرما من جهة أخرى لا من جهة كونه مقدمة وهو غير المقصود في المقام وأما إذا كانت له مقتضية لحصول المحرم فالظاهر أنه لا مجال للتأمل في تحريمه حسبما قرر في محله كما هو الحال في المقام وأخرى بمنع كون تحصيل العلم بارتكاب الحرام محرما وإنما المحرم هو الإتيان بالحرام كيف ولو كان تحصيل العلم بارتكاب الحرام حراما يحرم أن يجسس الإنسان عن تحريم ما فعله بحسب الواقع حتى يعلم حرمته كما إذا تصرف في شيء أو أكل وشرب ثم حصل له الشك في تحريمه أو كان شاكا فيه عن أول الأمر على وجه لا يقتضي مانع منه نعم بعد التعرض له استعلم حاله فعلم تحريمه ومن الواضح عدم تحريم ذلك بوجه من الوجوه فإن قلت إنه لا تحريم هناك حال التعرض نظرا إلى جهل التكليف غاية الأمر حصول التحريم حال العلم يستكشف به تحريم ما فعله دون ما أتي به حتى يكون محرما نظرا إلى ما ذكر بخلاف المشتبهين للعلم بحرمة أحدهما فإذا استعملهما فقد استعمل المحرم قطعا فيحصل باستعمالهما العلم بارتكاب الحرام قلت لا فارق بين الصورتين فإن الحرمة الواقعية حاصلة في المقامين والمفروض كون الجهل بحرمته لخصوصية قاضية بجواز الإقدام فيكون الإقدام على كل من المشتبهين سابقا فلا يحرم في الظاهر في شيء من السورتين والحرام الواقعي والعلم به حاصل في المقامين والعلم بحرمة أحدهما في الظاهر لا يثمر في المقام بمنع تأثيره في تحريم الخصوصية نعم لو ثبت من الخارج تحريم تحصيل العلم بارتكاب الحرام الواقعي تم الكلام وقد عرفت ما فيه فظهر بذلك ضعف التفصيل المذكور مضافا إلى ما قد عرفت من وهن الأدلة الدالة على الجزء الأول من مقصوده وقد يحتج عليه بأنه مع استعمال الجميع يشغل ذمته بحق الناس قطعا وشغل الذمة بحقوق الناس محظور فيحرم ما يحكم معه باشتغال الذمة لا ما هو من سابقه أو مع جريانه في جميع الفروض وعدم وضوح بطلان الفصل لا دليل على حرمة اشتغال الذمة في الحق كيف وجميع المعاملات والمحاكمات مشتملة على اشتغال الذمة إما على وجه ثبوتها في الذمة أو باشتغال الذمة بوجوب الدفع نعم لو كان ذلك على الوجه المحرم كالغصب كان محرما ومع ذلك ليس هناك تحريمان بل هناك حرام واحد يتبعه اشتغال الذمة فجعل الذمة مشغولة بحق ليس حراما مستقلا هناك أيضا وإن وجب تفريغه والخروج عنه وأما في المقام فلما قضى الدليل على حسب ما يدعيه المستدل بجواز التصرف كان اشتغال ذمته في الحق على الوجه الشائع كما في نظائره من المعاملات بل ما إذا كان التصرف في المال عن إذن المالك له فيدفع عوضه إليه وأن المأذون الشرعي على حسب ما يدعيه لا يقصر عن إذن المالك فكما لا يحرم هناك قطعا فمن أين يجب التحريم في المقام وهو ظاهر [ المطلب التاسع في الاجتهاد والتقليد ] قوله رحمه الله الاجتهاد في اللغة مأخوذ من الجهد بالضم أو الفتح بمعنى الوسع والطاقة وقد يخص حينئذ بالضم فهو بذل الوسع والطاقة في أمر من الأمور أو مأخوذ من الجهد بالفتح بمعنى المشقة فهو تحمل المشقة وقد يخص معناه اللغوي بالأول ويجعل الثاني تفسيرا له باللازم وكان الأظهر أنهما معنيان متعددان والمناسبة بين كل من ذينك المعنيين ومعناه الاصطلاحي على كل من الوجهين الآتيين ظاهرة وإن اختلفت فيها جهة المناسبة قوله وفي الاصطلاح استفراغ الفقيه وسعه إلى آخره قد ذكروا للاجتهاد حدودا شتى والذي يتلخص في المقام أن له بحسب الاصطلاح إطلاقان أحدهما أن يؤخذ مصدرا فيكون بمعناه الحدثي وقد يجعل حينئذ اسما للحال في مقابلة ما سيجيء من إطلاقه على الملكة وقد عرفه المصنف تبعا للعضدي بأنه استفراغ الفقيه وسعه وفي الوافية أنه الاصطلاح المشهور ويرد على الحد المذكور أمور أحدها أن أخذ الفقيه في الحد يوجب الدور فإن الفقيه هو العالم بالمسائل عن الاجتهاد لوضوح خروج معرفة الأحكام عن التقليد عن اسم الفقه فأخذه في حد الاجتهاد قاض بالدور ثانيها أن الفقيه إنما يصدق بعد المعرفة بقدر يعتد به من الأحكام فإن القادر على استنباط المسائل من الأدلة لا يعد فقيها في العرف قبل تحصيل العلم بقدر يعتد به من الأحكام حسبما مرت الإشارة إليه عند تعريف الفقه كما هو الحال في المتكلم والنحوي والصرفي وغيرها وحينئذ نقول إن الاستفراغ الحاصل منه قبل حصول الفعلية المذكورة اجتهاد مع أنه غير حاصل من الفقيه فلا ينعكس الحد ثالثها أن الحد المذكور إن كان تحديدا للاجتهاد الصحيح فلا بد من قيود أخر لينطبق على المحدود وإن كان تحديدا للأعم فلا وجه لأخذ الفقيه في الحد رابعها أن استفراغ الوسع غير معتبر في تحصيل كل من الأحكام بل وذلك أقصى ما يلزم المجتهد في المسائل المفصلة وأما سائر المسائل مما لا يكون بتلك المثابة فلا يلزم فيها ذلك توضيح ذلك أن أقصى ما يجب على المجتهد الاطمئنان بتحصيله ما يستفاد من الأدلة الموجودة وذلك قد يحصل بأول نظره في كل المسألة كما في كثير من المسائل التي مداركها ظاهرة وقد لا يحصل إلا بعد استفراغ منتهى الوسع كما في بعض المسائل المشكلة وقد يكون بين الأمرين ومن البين تحقيق الاجتهاد في جميع ذلك فلا ينعكس الحد أيضا خامسها أن جملة من الأدلة الفقهية ليست مفيدة للظن بالواقع